حسين درويش العادلي
aladili_(at)_hotmail.com
الحقوق مسألة إشكالية
تطورت حقوق المرأة عبر نضالات تاريخية طويلة، إلاّ أنها ما زالت تحكمها قوالب ثقافية تحول دون تكاملها.. وليس الأمر حكراً على حقوقها الإنسانية الطبيعية في الحياة والعمل والملكية والاختيار.. بل تتعداها إلى حقوقها الوطنية وبالذات السياسية كمواطنة تامة العضوية في نظام الدولة الحديثة، فعلى سبيل المثال: ما زالت المشاركة السياسية في مستويات متدنية رغم التقدم الهائل في منظومة حقوق المرأة عالمياً.. تقول الإحصاءات أنَّ نسبة مشاركة المرأة في البرلمانات لم تشهد تحولاً كبيراً، ففي اليونان 10.9%، وفي فرنسا 11%، وفي الولايات المتحدة 12%، وفي إيطاليا 12%، وفي البرتغال14%، وفي إسبانيا وبلجيكا نفس النسبة تقريباً، ما عدا دول الشمال الأوربي إذ ارتفعت النسبة إلى 37%.
شرقياً، ما زالت حقوق المرأة مسألة إشكالية في عرف ثقافات المنطقة لم تستقر بعد على وفق قواعد مفهومية واضحة وثوابت حقوقية مستقرة، الأمر الذي أسس وما زال لمصادرة حقوق المرأة.. وهذه إحدى أهم الإرباكات التي تحول دون التطور الحضاري لمنطقتنا. يكفي أن نشير إلى أنَّ الانتخابات الأخيرة في الكويت أقصت المرأة نهائياً من الحضور البرلماني.. وعندما نشدد على ذكر حق المرأة السياسي هنا ذلك لأنَّ الممارسة السياسية خير دال على نمط الثقافة السائدة تجاه المرأة.. إنَّ حرمان المرأة سياسياً يختزل النظرة الدونية وثقافة الإقصاء وعدم الأهلية التي تميز نظرتنا للمرأة وأدوارها الإنسانية كافة، وأزعم هنا أنَّ نظام الكوتا هو نظام التأهيل الإجباري للتعاطي الإنساني مع المرأة، ولولا الكوتا لما تصدرت إلاّ نساء قلائل وسط شيوع ثقافة الإقصاء والدونية القائمة على أساس الجنس، فعلى سبيل المثال فإنَّ جيبوتي –على الصعيد العربي- منحت المرأة حق التصويت والترشح في الانتخابات عام 1986 ومع ذلك فلم تنجح بدخول البرلمان حتى الآن امرأة واحدة!! وفي لبنان حصلت المرأة على حق التصويت والترشيح عام 1952 إلا أن أول امرأة لبنانية لم تتمكن من دخول البرلمان إلا عام 1991.
المجتمع العراقي لا يشذ عن قاعدة مصادرة الحقوق الطبيعية للمرأة، هي جملة الفهومات المجتمعية والأنظمة الثقافية والقانونية التي حالت وتحول دون حل هذه الإشكالية المستنسخة لنفسها عند كل دورة حضارية.. وانظر إلى المفارقة: المرأة العراقية المعاصرة تحتاج إلى (الكوتا) لممارسة حقها في الحياة السياسية العامة، بينما شهد العصر البابلي وصول الملكة سميراميس إلى السلطة لمدة خمس سنوات!! وما زال العديد من حقوق المرأة غير مؤطر بقوانين حماية رغم أن شريعة حمواربي احتوت على 92 نصاً من أصل 282 تتعلق بالمرأة، وقد أعطت شريعة حمورابي للمرأة حقوقاً كثيرة من أهمها: حق البيع والتجارة والتملك والوراثة والتوريث.
الحقوق الطبيعية
حقوق المرأة حقوق إنسانية طبيعية تكوينية قبل أي اعتبار آخر، فهي حقوق أصيلة وحقيقة ذاتية وليست اعتبارية أو موضوعة أو مكتسبة، فليس حق الحياة وحق التعلم وحق العمل وحق اختيار الزوج وحق السفر وحق المشاركة السياسية..الخ، بالحقوق المكتسبة أو المتعارف عليها، أو أنَّ مدار شرعيتها الرجل أو الواقع الخارجي.. حقوق المرأة ليست هبة المخلوق.. كلا، هي هبة الخالق جل شأنه الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى على وفق قواعد وحدة الخلق ووحدة النوع ووحدة الاستخلاف ووحدة الجزاء ووحدة المصير.. أيضاً، فإنَّ تأدية الواجب المُلقى على عاتق الإنسان ذكراً كان أم أُنثى لا يمكن أن يصح دون تعريف الحق الذي له والاعتراف به وتمكينه، فلا واجب قبل الحق، وقد قالوا أصولياً: إذا أخذ ما وهب أسقط ما أوجب.
دينياً، فالجنس البشري هو المستخلف أرضاً، (وإذ قَالَ ربّكُ للملائكةِ إني جاعلٌ في الأرضِ خليفة}31 البقرة، فقضية الاستخلاف الإنساني قضية شاملة وعامة ومتكاملة للجنس البشري بشقيه الأُنثوي والذكري دونما تمييز، وكل ما يترتب عليها من وحدة الخلق والنوع والهوية الإنسانية المشتركة بين الرجل والمرأة إنما يستدعي وحدة الوظيفة والدور، وهذا يتطلب اعترافاً وتمكيناً لمنظومات الحقوق والواجبات الإنسانية على تنوع موضوعاتها وقضاياها، وإلاّ لا موضوع أساساً للاستخلاف والوظيفة.
نظام الحقوق الإنسانية إنما هو نظام تحقيق الذات الإنسانية في عمقه، هو عملية إخراج إنسانية الإنسان من القوة (الاستعداد) إلى الفعل (الممارسة)، فحقوق الإنسان هي تعبير عن وجوده فيها يحيا ويُنتج ويتكامل، ولا يمكن أن نتصور إنساناً متكاملاً فيما لو تم حرمانه أو تجريده من أي حق من حقوقه الطبيعية، لذا فالحقوق تساوق الذات في النشوء والارتقاء الإنساني.
نظام الحقوق والواجبات الإنساني يستند إلى نظام التكامل بين المرأة والرجل بدون خصومة أو عداء أو تجاهل أو إقصاء بينهما، لذا يجب عدم تحويل قضية حقوق المرأة وكأنها صراع أُنثوي–ذكري على صلاحيات ومساحات العمل بينهما في دوائر الحياة، إنَّ بناء الحياة لا يمكن أن يتم إلاّ وفق قواعد وآليات التكامل بين الرجل والمرأة، والتكامل هو المنتج للمساواة، ولا حياة ولا استخلاف ولا تجربة وحضارة إنسانية دون اعتماد تكاملهما في الدور والوظيفة الإنسانية.. وهنا يصبح الاعتراف بحقوق المرأة شرطاً وجودياً لنشوء الحياة الصالحة والتكاملية.
استناداً إلى ذلك فإنَّ حقوق المرأة هي حقوق طبيعية جوهرية ليس لنا إسقاطها بحال باعتبارها حقوقاً إنسانية تكوينية ثابتة للنوع الإنساني برمته بها ومن خلالها تنشأ الحياة، وكذلك هو حال حقوقها الوطنية باعتبارها عضواً في مؤسسة الدولة المنتمية إليها.
قضية الحقوق الإنسانية الطبيعية والوطنية للمرأة تعتبر قضيةً قاعدية أساسية كبرى يجب تأكيدها وصيانتها فيما لو استهدفنا مجتمعاً ناهضاً ودولةً متقدمة، فلها حق التمتع بإنسانيتها الكاملة باعتبارها هبة الله تعالى وفي مقدمتها حقوق الإنسان، ولها حق التمتع بعضويتها الوطنية التامة باعتبارها نتاج الانتماء للوطن والدولة وفي مقدمتها حقوق المواطنة دونما إخلال أو تعسف أو مصادرة، فكما يجب تأكيد وصيانة حق المرأة في الحياة والكرامة والأمن يجب أيضاً تأكيد وصيانة حقوقها الوطنية وفي طليعتها الحق بالمشاركة السياسية في ظل دولة دستورية مدنية ديمقراطية، فحق الانتخاب والترشيح بعيداً عن التمييز من أولى حقوقها الإنسانية والوطنية الثابتة والدائمة.
حقوق المرأة في التعبير والرأي والاختيار والتملّك والعمل والاجتماع..الخ، وحقها بتقلد وظائف الدولة على تنوع مستوياتها دونما تمييز، وحقها بالانخراط والمشاركة في شؤون الحياة العامة بما في ذلك المشاركة في الأحزاب والجمعيات والمؤسسات والمنظمات والاتحادات، وحقها بالعمل في مرافق الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على تنوعها..الخ.. لهي حقوق طبيعية إنسانية ووطنية لا مناص من الاعتراف بها والعمل لها لضمان تقدمنا المجتمعي والوطني.
المثلث الأسود
لتأكيد واستنهاض حقوق المرأة يجب تحريرها من المثلث الأسود: التعصب، الخوف، الحاجة.. ولا يتم ذلك إلاّ وفق إعادة إنتاج الخطاب الفكري الثقافي المتصل بمكانة المرأة، وأيضاً بإعادة إنتاج التشريعات المتصلة بالمرأة لحمايتها قانونياً، وأيضاً بحمايتها مؤسسياً على مستوى الدولة وعلى وفق قاعدة إنسانيتها التامة غير المنقوصة.
قضايا التنمية والنهوض الشامل بواقعنا الإنساني لا تتحقق دونما تغيير بنيوي لخطابنا التقليدي الهارب من الحقيقة والعاجز عن صناعة الحياة، يجب أن يرتقي خطابنا عن مستويات الزخرفة اللفظية ليندك جوهرياً بقضايا حقوق المرأة الرئيسة، فالمسألة تتجاوز في مصيريتها مفردات حُسن معاملة المرأة والرفق بها والحنو عليها.. المطلوب حركية فكرية ثقافية جوهرية، وثورة تشريعية حقوقية منتظمة بمؤسسات فاعلة، تفعّلان على مستوى المجتمع والدولة جميع الحقوق الطبيعية للمرأة في العلم والعمل والمشاركة الكاملة في شؤون الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحضارية دونما دونية أو تمييز أو إقصاء أو حجر أو تمنن.
أشدد على ضرورة تحطيم ثلاثي: التعصب والخوف والحاجة.. لضمان تأكيد حقوق المرأة وتأهيلها للمشاركة في صناعة الحياة من موقع الريادة لا الذيلية والتبعية.. نحتاج إلى إنتاج ثقافة مدنية قيمية لمعالجة التعصب، والى قوانين وأنظمة لمعالجة الخوف، والى مؤسسات لمعالجة الحاجة.. وهو جهد مشترك للنخب المجتمعية ولمؤسسات الدولة على تنوع حقولها ومستوياتها.





